يحيي بن حمزة العلوي اليمني
219
الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز
فيها ، وهكذا فإنك تفصل بين أن تقول : إني أرى قوما لهم منظر وليس لهم مخبر ، وبين أن تتبعه بقول من قال : لا تعجبنك الثياب والصور * تسعة أعشار من ترى بقر في خشب السرو منهم مثل * له رواء وما له ثمر فإنك تجد فرقا بين الأمرين ، وهكذا حال غيره من الأمثلة والتشبيهات ، فإذا تمهدت هذه القاعدة فاعلم أن الكناية لها في البلاغة موقع عظيم فإنها تفيد الألفاظ جمالا ، وتكسب المعاني ديباجة وكمالا وتحرك النفوس إلى عملها ، وتدعو القلوب إلى فهمها ، فإن أوقعتها في المدح كانت أرفع وأحسن ، وفي نفس الممدوح أوقع وأمكن ، وإن صدرتها للذم كانت آلم وأوجع وإلى ذكر فضائح المذموم أسرع وأخضع ، وإن أدخلتها من أجل الحجاج كان البرهان لها أوضح وأنور ، والسلطان بها أقدر وأقهر ، والإقحام بها أشهر ، والتسلط أعظم وأبهر ، وإن وقعت في الافتخار كان ضياؤه أسطع ، ومناره أعلى وأرفع ، وإن كانت موجهة للاعتذار فهي إلى سل سخائم القلوب أعجل وأقرب ، وبوحر الصدور وفل غرب غضبها أذهب ، وإن صدرت للاتعاظ كانت في المبالغة في النصيحة أنجع ، ولمرض القلوب أشفى وأنقع ، وإن أردت بها جانب الإعتاب والرضا ، كانت بطيب الصحبة ولين العريكة أظفر ، وعلى الوفاء بلوازم الألفة أوفر ، فهي كما ترى واقعة من البلاغة في أعلى المراتب ، وحائزة من الفصاحة أعظم المناقب وقد نجز غرضنا فيها بحمد الله تعالى . بحمده تعالى قد تم الجزء الأول من كتاب الطراز في علوم حقائق الإعجاز . ويليه الجزء الثاني وأوله القاعدة الرابعة من قواعد المجاز